من الطنين إلى الصمت: المدينة العربية كنظام سمعي للسلطة والمقاومة
22 آذار/مارس 2026المقالات

من الطنين إلى الصمت: المدينة العربية كنظام سمعي للسلطة والمقاومة

مَسْمَع

مدخل

الصوت تجربة مكانية بامتياز. فبمجرد أن نستمع إلى صوتٍ ما، يتشكّل لدينا فضاءٌ له، حتى وإن ظلّ خارج نطاق الرؤية. ذلك أن الصوت لا يُدرَك في العدم، بل يتأسّس دائمًا ضمن علاقة مكانية—وفراغية (تكسر الثنائية الحداثية ”السخيفة“: الفضاء والمكان) سواء تجلّت هذه العلاقة في حضورٍ مادي مباشر، أو استُعيدت عبر الذاكرة. ومن هنا، فإن الكتابة عن الصوت لا يمكن أن تنفصل عن الكتابة عن المكان؛ إذ إن كل صوت هو، في جوهره، تعيينٌ مكاني بقدر ما هو حدث سمعي.

غير أن السؤال لا يقف عند حدود العلاقة بين الصوت والمكان، بل يمتد إلى طبيعة الصوت الذي يهيمن على أمكنتنا اليوم. ففي سياق المدينة العربية المعاصرة، لا يظهر الصوت بوصفه تنوعًا حسّيًا للحياة اليومية، بل بوصفه أثرًا مكثفًا للعنف وتمظهرًا لخطابات السلطة وبُناها. ما يطغى على المجال السمعي ليس مجرد ضجيج، بل صوت الحرب بأشكاله المختلفة: طنين، انفجار، صمت مفروض، أصوات خيانة وتواطؤ، أو حتى أصوات مُعاد تنظيمها لتخدم أنماطًا جديدة من السيطرة. وإذا كان ثمة فضاء يتكثف فيه هذا الاشتباك، فهو المدينة العربية، بوصفها الحيّز الأكثر عرضة لإعادة التشكيل القسري، سواء عبر العسكرة أو التخطيط أو المحو.

في هذا السياق، لا يكفي التعامل مع الصوت بوصفه وثيقة —تاريخية أو اجتماعية— تعكس ما يحدث في المدينة؛ بل ينبغي النظر إليه بوصفه مادة عمل، تُنتج من خلال شبكة معقدة من العلاقات المادية والتقنية والاجتماعية، وتُستخدم، في الوقت ذاته، لإعادة تشكيل هذه العلاقات بكل حمولتها الرمزية والتبادلية. فالصوت لا يعكس المدينة فحسب، بل يشارك في إنتاجها، رمزًا ومادةً، وفي إعادة ترتيب بُنيتها الزمانية والمكانية بما يخدم أنماطًا محددة من السلطة، سواء كانت عسكرية أو دولانية أو رأسمالية.

ينطلق هذا النص، إذًا، من مقاربة تتعامل مع الصوت بوصفه مدخلًا لتحليل المدينة العربية، والعكس كذلك؛ لا من حيث ما يُسمع فيها فحسب، بل من حيث كيف يُنتج ما يُسمع، ومن يملك حق إنتاجه أو منعه، وعمن يتكلم وعمن يصمت. ومن خلال هذا المدخل، يغدو الصوت وثيقة زمانية ومكانية في آن، تكشف عن تاريخ العمران وتحولاته، كما تكشف عن أشكال العنف التي تعيد ترتيب المدينة باستمرار، وتفرض عليها بُنى جغرافية وتاريخية محددة. فالحرب، في هذا الإطار، ليست حدثًا طارئًا على المدينة العربية، بل شرطًا يُعاد إنتاجه عبرها، حتى في المدن التي لم تقع عليها الحرب بعد، لكنها موسومة بإمكانية حدوثها المؤجلة.

ضمن هذا الإطار، تطرح هذه المداخلة مجموعة من الإشكاليات التي توجه مسارها التحليلي:

هل يمكن استخدام المادة البصرية بوصفها أثرًا للصوت، لا بديلًا عنه؟
هل يشكّل الفقدان السمعي —أي غياب الصوت أو محوه— مادة قابلة للتتبع والتحليل؟
ما الذي يعنيه خرق جدار الصوت في مدينة مثل بيروت، لا كظاهرة فيزيائية فحسب، بل كفعل سيادي يتداخل مع اليومي المعيش للبنانيين واللبنانيات؟ وماعلاقته بتخطيط المدينة؟
كيف يمكن رسم خرائط للصوت في سياق مثل غزّة، حيث يتحول المجال الجوي إلى بنية سمعية للمراقبة والإبادة؟
وماذا يعني فقدان الصوت في مدينة مثل جدّة، حيث يُعاد تشكيل الفضاء عبر الصمت بقدر ما يُعاد تشكيله عبر البناء، وذلك منذ هدم الحيّ القديم في المدينة؟

منهجيًا، لا تُقارب هذه المداخلة الصوت كموضوع منفصل، بل تتعامل معه من خلال فعل الاستماع بوصفه أداة بحثية. غير أن هذا الاستماع لا يُفهم بما هو عملية إدراك حسّي فحسب، بل بوصفه ممارسة مكانية، تتقاطع مع ما وصفه ”ميشال دو سارتو“ بفعل ”المشي في المدينة“ باعتباره طريقة لقراءة الفضاء من داخله لا من خارجه. وكما أن التسكّع (walking) عند دو سارتو يكشف عن طبقات غير مرئية من المدينة، فإن الاستماع هنا يعمل بوصفه تسكّعًا سمعيًا، يلتقط ما يتوارى خلف الخطابات الرسمية والتمثيلات البصرية للعمران. بهذا المعنى، لا تهدف هذه المداخلة إلى تقديم ”دراسة صوتية“ للمدينة العربية، بل إلى إعادة التفكير في المدينة نفسها من خلال السمع، بوصفه مدخلًا يكشف عن البُنى الخفية للسلطة، وعن أشكال المقاومة التي تتشكل داخلها. فالمدينة، في هذا الإطار، لا تُفهم فقط بما يُبنى أو يُرى، بل بما يُفرض سمعيًا، وما يُقاوَم عبر الأذن.

أولًا: الصوت بما هو سلطة: نحو قراءة نقدية للمدينة كنظام سمعي

انشغلت الأدبيات الغربية المعاصرة حول الصوت—خاصة ضمن حقل ما يُعرف بـ Sound Studies (دراسات الصوت)—بتفكيك مركزية البصر في إنتاج المعرفة، والدعوة إلى إعادة الاعتبار للسمع بوصفه مدخلًا لفهم العالم. وعلى تراكبية هذا الطرح، فإنه يظل دقيقًا في ما يتصل بمركزية البصر في الحداثة الغربية. فقد شكّلت مفاهيم مثل”الأكوستيمولوجيا“ (acoustemology)، كما طوّرها ”ستيفين فيلد“ وآخرون، محاولة لربط السمع بالمعرفة، من خلال مساءلة كيف تدرك المجتمعات العالم عبر الصوت. غير أن هذا التحول، على أهميته، ظل في معظمه محكومًا بأفق أنثروبولوجي-ثقافي يركّز على التجربة والإدراك والتمثيل، أكثر من تركيزه على علاقات السلطة التي تُنتج هذه التجربة وتؤطرها وتتحكم فيها وتوجّهها. كما أنه، في الآن نفسه، لا يسائل المركزيات المعرفية داخل الحقلين الثقافي والأنثروبولوجي، بل يكتفي بالانكفاء داخل الوسيط التمثيلي للعالم —سمعيًا كان أم بصريًا— دون مساءلة بنيته المؤسسة!

بعبارة أخرى، رغم نجاح هذه المقاربات في توسيع نطاق ما يُعدّ ”معرفة حسية“، فإنها لم تُخضع الصوت ذاته لتحليل كافٍ من حيث علاقته ببُنى الهيمنة. فالصوت، في كثير من هذه الأعمال، يظهر بوصفه وسيطًا ثقافيًا أو تجربة إدراكية، لا بوصفه بنية مادية-سياسية تُنتج وتُدار وتُفرض وتُتداول. ويغدو هذا القصور أكثر وضوحًا عند نقل هذه الأدبيات إلى سياقات مثل المدينة العربية، حيث يتعذر فصل الصوت عن العنف، والمراقبة، وإعادة التنظيم القسري للمجال.

إن التعامل مع الصوت بوصفه ”تجربة“ فحسب، دون مُساءلة شروط إنتاجه، يفضي إلى نوع من ”التجريد الحسي“، حيث يُفصل السمع عن البُنى التي تنظّمه. وعليه، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: كيف يسمع الناس؟ بل أيضًا: من يحدّد ما يُمكن سماعه؟ ومن يفرض شروط هذا السمع؟ وما الأصوات التي تُطمس بأصوات أعلى؟ وكيف يُتاح تداول صوت دون غيره؟

من هنا، تقترح هذه المداخلة الانتقال من فهم الصوت بوصفه ”تجربة“ إلى فهمه بوصفه نظامًا سياديًا سمعيًا (aural regime)، يتشكّل عبر تداخل البنية التحتية التقنية (كالطائرات، أنظمة البث، أجهزة التسجيل، شبكات الحركة والانتقال)، مع البُنى السياسية (الدولة، الاحتلال، رأس المال، الحداثة، الحدود، الأطراف)، ومع الممارسات اليومية للسكان. في هذا الإطار، لا يعود الصوت مجرد أثر للحياة الاجتماعية، بل يغدو جزءًا من هندسة السلطة نفسها، وفي الوقت ذاته مجالًا للمقاومة، وأداةً لتفكيك اللحظة المعاشة تاريخيًا وجغرافيًا وجسديًا.

فكما تُنظَّم المدينة عبر التخطيط، تُنظَّم أيضًا عبر ما يمكن تسميته بـ ”البنية التحتية السمعية“، التي تحدد:

ما يُسمع في المجال العام؛ ما يُحجب أو يُقمع؛ ما يُعاد إنتاجه أو تداوله خارج القنوات الرسمية، سواء في أُطر المقاومة أو الترميز الشخصي أو التداول داخل الجماعات الطرفية.

يتيح هذا الإطار إعادة تعريف مجموعة من المفاهيم المركزية:

أولًا، السيادة السمعية: وهي قدرة جهة ما —دولة، قوة عسكرية، أو منظومة رأسمالية— على فرض نظام معين للصوت؛ سواء عبر إنتاجه المباشر (كما في حالة الطائرات الحربية)، أو عبر تنظيم قنوات توزيعه (كما في الإذاعة وصوت السلطة)، أو حتى عبر محوه (كما في الإبادة المدينية/العمرانية).

ثانيًا، العنف الصوتي: لا بوصفه مجرد ضجيج، بل آلية تعيد ترتيب الإدراك والزمن، منطلقة من واقع كون الضجيج هو ترتيب مغاير لمنطقنا المألوف في الصوت. فالصوت هنا يعمل على مستوى الجسد والنفس، حيث يمكنه أن يفرض التوتر، يقطع الإيقاع اليومي، أو يخلق حالة دائمة من الترقب، ويأتي باعتباره فوضى، بينما الفوضى هي ترتيب مغاير.

ثالثًا، المحو السمعي: وهو ليس غياب الصوت، بل نتيجة عملية منظمة تُزيل الشروط الاجتماعية والمكانية التي تُنتج الأصوات. في هذا المعنى، يصبح الصمت نفسه أثرًا لسلطة، لا حالة طبيعية، أو حتى مفهومة ضمنًا. وبالذات اذا استعدنا مقاربات متفردة في موضوعة الصمت مثل تلك لـ“دافيد لو بروتون“ إذ يقول عنه أن ”المتخيلات الاجتماعية تفضح عن ازدواجيتها بشأنه“. ويقول ”ماكس بيكارد“: ”لا شيء غير طبيعة الإنسان بصورة كبيرة جدًا مثل فقدان الصمت. اختراع الطباعة، الأساليب الفنية، التعليم الإجباري، لا شيء غيّر الانسان كهذا النقص في العلاقة بالصمت، هذه حقيقة أن الصمت لم يعد بديهة“.

رابعًا، التداول السمعي المضاد: ولعل هذا ما يقوم به موقع ”مَسْمَع“ من حيث كونه منصة تقدم مساحات للتداول الأفقي للأصوات في المدينة العربية. أي إعادة توزيع الصوت خارج أنظمة السيطرة المركزية التي تمتلك الصوت وتتحكم فيه، كما كان الحال في أشرطة الكاسيت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حيث انتقل الصوت من بث مركزي إلى شبكة تداول لامركزية، أسهمت في تجميع الجماعات حول أصوات قابلة للتداول والتبادل. الأمر يشبه في حال من الأحوال الأصوات التي لا تعترف بها السلطة—سلطة الدولة أو المنهج أو الآلة أو اللغة.

غير أن هذه المفاهيم لا تُفهم بمعزل عن الممارسة المنهجية التي تقترحها هذه المداخلة. فإذا كانت دراسات المدينة قد اعتمدت تاريخيًا على الخرائط، المخططات، والصور الجوية، فإن هذه الدراسة تقترح مقاربة بديلة تقوم على الاستماع بوصفه ممارسة مكانية. وهذا الاستماع لا يُفهم كفعل سلبي، بل كممارسة نشطة تتقاطع وتتماهى مع ما وصفه ”ميشال دو سارتو“ بـ ”المشي في المدينة“ بوصفه طريقة لإنتاج معرفة من داخل الفضاء، لا من خارجه، وشكل من أشكال كتابة المدينة. بمعنى آخر، فإن إنتاج الأصوات في المدينة واستهلاكها هو شكل من أشكال كتابتها وإنتاجها—وأحيانًا إسكاتها. فكما يكشف المشي، عند دو سارتو، عن طبقات غير مرئية من المدينة تتجاوز التخطيط الرسمي، يعمل الاستماع هنا بوصفه تجوالًا سمعيًا يلتقط ما يتعذر تمثيله بصريًا؛ كأصوات الطائرات، انقطاعات الصمت، الترددات المستمرة، أو حتى غياب الصوت نفسه. وعليه، لا يكتفي هذا المنهج بجمع ”بيانات صوتية“، بل يسعى إلى تفكيك العلاقة بين الصوت والمكان بوصفها علاقة قوة تبادلية، تداولية، وإنتاجية. فالصوت لا يُقرأ فقط من خلال تسجيلاته، بل أيضًا من خلال:

آثاره على الجسد؛
تكراره في الزمن؛
علاقته بالخوف أو الألفة؛
قدرته على إعادة تشكيل السلوك اليومي؛
موقعه داخل البنية الاجتماعية وعلاقته بمواقع السلطة.

من هنا، يصبح الاستماع أداة لتحليل ما يمكن تسميته بـ ”البنية السمعية/الصوتية للمدينة“: أي الشبكة التي تربط بين الصوت والسلطة والمكان والحركة. هذه البنية لا تُرى، لكنها تُعاش باستمرار، وتُفرض على السكان بطرق قد تكون أكثر مباشرة وتأثيرًا من كثير من أشكال السيطرة المادية. إن إعادة التفكير في المدينة العربية من خلال هذا الإطار لا تعني مجرد إضافة الصوت إلى عناصر التحليل، بل تعني إعادة تعريف المدينة نفسها: كيف تُعاش، وكيف تُنظَّم، وكيف تترسّب في الذاتي والجمعي. فهي ليست مجرد فضاء عمراني، بل نظام تُنتج فيه السلطة عبر ما يُسمع، وما يُمنع من السمع، وما يُعاد تداوله رغم ذلك.

ثانيًا: غزّة: الهيمنة الرأسية للإبادة العمرانية والترتيب السمعي المقاوم أفقيًا

في غزّة، لا يمكن فهم الصوت بوصفه ظاهرة حسية أو بيئية أو مكانية فحسب، بل بوصفه بنية سيادية عمودية تعيد تنظيم العلاقة بين السماء والأرض، بين ما يُرى وما يُسمع، وبين الإدراك والحدث في سياق الحرب والإبادة المدينية/العمرانية. فالصوت هنا لا يملأ الفراغ، بل يفرضه؛ ولا يعكس الواقع، بل يسبقه ويعيد تشكيله. في هذا السياق، تتيح أطروحات ”بول فيريليو“ —المنظّر الفرنسي الذي اشتغل على السرعة وعلاقتها بالسياسة، وصاغ مفهوم ”الدرومولوجيا“ (منطق السرعة)— مدخلًا مهمًا لفهم التحولات التي تطرأ على الإدراك في فضاء مثل قطاع غزّة. غير أن الحالة الغزّية تتجاوز ما صاغه فيريليو؛ إذ لا يتعلق الأمر بسرعة الحدث فحسب، بل بكيفية تحويل السرعة إلى أداة سيادة سمعية، تمتد عبرها أذرع الهيمنة الاستعمارية. في المقابل، يعيد الغزيون والغزّيات رسم أمكنتهم ومدينتهم وفق خرائطية مقاومة لهذا الصوت، ومعتمدة عليه في آن؛ إذ تشير شهادات متعددة إلى أن صوت ”الزنانة“ يشكّل لهم مؤشرًا استدلاليًا على مواقع القصف قبل حدوثه.

في الحرب الحديثة، كما يشير فيريليو، لم يعد الصراع يدور حول السيطرة على الأرض فقط، بل حول السيطرة على السرعة — سرعة الحركة، والرصد، والضرب. ففي غزّة، تتجلى هذه السرعة في العلاقة بين الصوت والانفجار، حيث لا يعود الصوت مؤشرًا على الحدث، بل جزءًا من زمن منكسر يتعذر إدراكه خطيًّا، حتى ولو كانت الرصاصة والقذيفة تتحرك في خطٍّ مستقيم، على مستوى الفرضية. فأحيانًا يسبق الانفجار إدراك الصوت، وأحيانًا يندمج الاثنان في لحظة لا يمكن فصلها، منتجين ما يمكن تسميته بـ ”صدمة درومولوجية“، حيث تحاول الأذن اللحاق بما حدث بالفعل. بذلك، يصبح الصوت سلاحًا؛ فالسّيادة السمعية لا تعمل عبر كثافة الصوت فقط، بل عبر سرعته وقدرته على تجاوز الإدراك، وإعادة تشكيل أنماط الاستدلال في المكان. لا يُستخدم الصوت هنا للإبلاغ، بل لفرض واقع سبق أن تحقق؛ إنه إعلان عن نفاذ السلطة في الجسد المديني، لا مجرد إشارة إليه.

غير أن هذا العنف لا يقتصر على لحظات الانفجار. بل يتجسد أيضًا في الاستمرارية الرتيبة لصوت الطائرات المسيّرة؛ ”الزنانة“ التي تشكّل ما يمكن اعتباره البنية التحتية السمعية اليومية للمدينة. هذا الصوت، بطنينه المستمر، لا يؤدي وظيفة محددة يمكن فصلها عن سياقها، بل يعمل كخلفية قسرية تُعيد تعريف المجال السمعي برمّته، وترسيم حدود الإبادة العمرانية والجماعية، المؤجلة والواقعة في آن. هنا يمكن توسيع مقاربة فيريليو حول ”المدينة المشرّعة“ (Overexposed City) نحو ما يمكن تسميته بـ ”المدينة المشرّعة سمعيًا“. ففي غزّة، لم تعد الجدران، ولا الأسقف، ولا الحدود المادية قادرة على إنتاج خصوصية سمعية، ولا على ترسيم حدود الأنا الفردي أو الجمعي المشترك. يخترق الصوت كل شيء، محوّلًا الفضاء الحميم إلى فضاء مُراقَب. لا يوجد ”داخل“ و”خارج“ سمعيّ، بل حقل مفتوح تُفرض عليه سيادة مستمرة. هذا الانكشاف السمعي لا يقتصر على كونه نصًّا للحرب، بل يتجاوز ذلك إلى محو الأصوات الأخرى. فطنين الطائرات، بتكراره واستمراريته، لا يعلو على الأصوات اليومية فحسب، بل يستبدلها، منتجًا ما يمكن تسميته بـ ”تعقيم سمعي عبر الضجيج“. في هذه الحالة، لا يكون الصمت غيابًا للصوت، بل نتيجة لهيمنة صوت واحد يحتكر المجال السمعي ويقصي ما سواه، ويرسم مداه قسرًا.

مع ذلك، لا يُنتج هذا النظام السمعي الخضوع فقط، بل يولّد أيضًا أشكالًا معقدة من المعرفة والمقاومة. ففي ظل تعذّر الرؤية —حيث يبقى مصدر الصوت غالبًا خارج المجال البصري— تتحول الأذن إلى أداة تحليل مجالي (territorial) أساسية. لا ”يسمع“ السكان فقط، بل يميّزون ويفسّرون ويتوقعون. فمن خلال الفروق الدقيقة في التردد والإيقاع والحدة، يمكنهم تحديد نوع الطائرة، وارتفاعها، وطبيعة الخطر القادم. هذا ما يمكن تسميته بـ ”الذكاء السمعي المقاوم“: قدرة تتشكّل تحت شروط العنف، يتحول فيها الاستماع من فعل إدراكي إلى ممارسة تحليلية، تقوم بإنتاج تركيب تجميعي مقاوم (Resistant Assemblage)، تتضافر فيه عناصر متعددة لتشكّل بُنية ”الكل“ الغزّي المقاوم في مواجهة الإبادة العمرانية. وهنا، تشير نظرية ”التجميع“ (assemblage) أن ”الكل“ يُبنى من خلال تجميع أجزاء منفصلة ومتفردة، أكانت تجميعات حضرية، أم سياسية، أم اجتماعية، أم غيرها. ويمكن للأجزاء أن تعمل بشكل مستقل، أو أن تصبح جزءًا من الكل الذي يعمل بدوره بشكل مستقل، ويمكن إزالتها منه، ثم تصبح جزءًا من ”التجميع“ التالي الذي لم يتم تجميعه بَعد، وهكذا. كما تلفت نظرية التجميع انتباهنا إلى كيفية إعادة صوغ العلاقات بين هذه الأجزاء، ليس فقط من خلال المكونات الداخلية للتجميع، بل أيضًا من خلال الأجزاء الخارجية له والعلاقة معها، بما في ذلك الصوت بوصفه عنصرًا فاعلًا في هذه البنية. وقد تم تطوير المقاربة في البداية من طرف ”جيل دولوز“ و”فيليكس غوتاري“، وطُبّقت لاحقاً على مجموعة واسعة من المجالات، بما في ذلك الأماكن الحضرية، والشبكات السياسية، والعلاقات الدولية، والعلاقات الاجتماعية، والثقافة. وهنا، نستفيد منها لفهم التكوينات الحربية مجاليًا (Territorial) ومكانيًا (Spatial).

بهذا المعنى، لا تكون الأذن مجرد مستقبل سلبي، بل رادارًا بشريًا يعيد بناء ما لا يمكن رؤيته، مما طمسته آلة الحرب والإبادة العمرانية، وأداة إعادة ترسيم حدود البيئة المبنية وبيانات المكان لغايات الاستدلال. وهذا التحول ليس تقنيًا فحسب، بل إبستيمي في جوهره؛ إذ يعيد تعريف العلاقة بين المعرفة والسلطة. فبينما تسعى السيادة السمعية إلى فرض واقع غير قابل للإدراك بما هو إبادة ودمار حصرًا، يعمل هذا الذكاء على تفكيكه، ولو جزئيًا، عبر إعادة تنظيم السمع ذاته، انطلاقًا من الفردي نحو الجمعي. يتقاطع هذا مع ما يمكن تسميته بـ ”خرائطية المحو“، حيث لا يُدمَّر المكان ماديًا فقط، بل يُعاد إنتاجه عبر اختفائه. ففي لحظة القصف، لا يبقى من المكان سوى أثره الصوتي—الانفجار بوصفه التردد الأخير لوجوده. وإذا كانت الخرائط تُظهر ما اختفى، فإن الصوت يسجّل كيف اختفى، وبأي سرعة، وبأي عنف.

فالصوت في غزة ليس مجرد أثر للدمار، بل وثيقة زمنية للمحو، تحمل في طياتها إيقاع الاختفاء نفسه. ومع أن هذا الأثر يتلاشى ماديًا، فإنه يستمر في الذاكرة السمعية، حيث يُعاد استحضاره بوصفه صدى لحدث لم ينتهِ بعد، ووثيقة يكتبها المشترك الغزّي على ألمها.

في غزّة، إذًا، لا يُستخدم الصوت للسيطرة فحسب، بل لإعادة تشكيل شروط الإدراك ذاتها، بحيث يصبح العنف غير مرئي لكنه مسموع على نحوٍ دائم. ومع ذلك، فإن هذا النظام لا يُغلق بالكامل، بل يُنتج داخله إمكانيات للمعرفة والمقاومة، حيث يغدو الاستماع محاولة مستمرة لفهم منطق القوة التي تسعى إلى تجاوزه.

ثالثًا: بيروت وجدار الصوت الذي لا يُرتق أو الزمن المديني الممزّق

في بيروت، لا يعمل الصوت بوصفه خلفية للحرب —أو حتى للمدينة— بل بوصفه أحد أشكالها الأكثر كثافة وتجريدًا، وربما أحد أدواتها غير المرئية في إعادة تنظيم الحياة المدينية والتحكم في سيولتها. وإذا كانت غزّة تكشف عن سيادة سمعية رأسية تقوم على الاستمرارية والمراقبة، فإن بيروت تكشف عن نمطٍ مغاير يتمثل السيادة السمعية بوصفها حدثًا اقتحاميًا يُعاد إنتاجه داخل أفق تخطيطي مشدود إلى حرب لم تقع بعد—ولم تنتهِ! هذا الانتقال من الاستمرارية إلى الاقتحام ليس تفصيلًا تقنيًا، بل تحوّل في منطق السلطة ذاته. ففي بيروت، لا يُفرض الصوت عبر التكرار الذي يسمح بالتكيّف، بل عبر لحظة تمزّق عنيفة تفاجئ الجسد، وتخترق مسامه، لتعيد تنظيم إدراكه دفعة واحدة. فخرق جدار الصوت، هنا، ليس مجرد نتيجة لعبور الطائرات، بل تقنية سيادية قائمة بذاتها، تُستخدم فيها السماء كحقل عمليات لإنتاج حدث إدراكي يسبق أي تدمير مادي. في هذه الحالة، لا يُسمع الصوت بوصفه مؤشرًا على شيء قادم، بل كتحقّق فوري للعنف على مستوى الإدراك.

غير أن خصوصية هذا الحدث لا تكمن في شدته فحسب، بل في بنيته الزمنية. فخرق جدار الصوت لا ينتمي إلى الزمن الخطي الذي يفصل بين ”قبل“ و“بعد“، بل يؤسس زمنًا مدينيًا قائمًا بذاته—ما يمكن تسميته بـ ”زمن الصدمة“. في هذه اللحظة، تُختزل الأزمنة المدينية كلها (حتى تلك الطائفية والمحاصصية فيها)، ويغدو الإدراك عاجزًا عن إدراج الحدث ضمن تسلسل منطقي. هكذا، لا يقتصر الصوت على قطع الزمن، بل يعيد تشكيله لحظيًا. يمكن تعميق هذا الفهم من خلال مفهوم ”الفيض الصوتي“ (sonic flooding)، حيث لا يُدرك الصوت كإشارة خارجية، بل كقوة تغمر الجسد وتعيد تشكيله من الداخل. في هذه الحالة، لا يبقى الصوت على سطح الإدراك، بل ينفذ إلى عمقه، بحيث يبدو وكأنه يحتل الحيّز الداخلي للرأس والجسد والمدينة والمكان معًا، ويصبح هو المجال ذاته. إن خرق جدار الصوت في بيروت لا يُسمع فقط، بل يُعاش جسديًا كاختراق داخلي، حيث يفقد الجسد حدوده الواضحة بين الداخل والخارج.

هذا الانهيار في الحدود الجسدية بالغ الأهمية نظريًا؛ إذ يكشف أن السيادة السمعية لا تعمل عبر الفضاء وحده، بل عبر إعادة تعريف الجسد بوصفه فضاءً للسلطة. فالصوت هنا لا يتحرك في الهواء فقط، بل ينتقل إلى داخل الجسد، حيث يعيد تنظيم الانتباه والتنفس، وحتى التفكير. إنه لا يفرض الخوف بوصفه استجابة نفسية، بل يعيد تشكيل الشروط الفيزيولوجية للإدراك نفسه. ولعلَّ أحد أكثر تمثلات ذلك كثافةً هو اختراق الطيران الإسرائيلي جدار الصوت فوق تأبين السيد حسن نصرُ الله.

إذا وضعنا هذا ضمن إطار أعمال ”محمَّد صفا“، يتضح أن الصدمة لا تنتهي بانتهاء الحدث. فالارتدادات الصوتية (reverberations) لا تُفهم باعتبارها ظاهرة فيزيائية فحسب، بل كعملية إعادة إنتاج مستمرة للعنف داخل البنية العمرانية المادية. فالمباني، الشوارع، والفراغات لا تستقبل الصوت بشكل محايد، بل تعيد تضخيمه واحتجازه وتمديد زمنه. بذلك، تصبح المدينة نفسها وسيطًا لإعادة بث الصدمة، بحيث لا يبقى الصوت حدثًا لحظيًا، بل يتحول إلى أثر ممتد يُعاد تفعيله في الذاكرة الجسدية للسكان. غير أن هذه الدينامية لا تنفصل عن السياق التخطيطي والسياسي لبيروت. كما تبيّن ”هبة بو عكر“، المخططة الحضرية لبيروت، فإن المدينة لا تُنظَّم وفق منطق الاستقرار، بل وفق منطق ”الحرب التي لم تأتِ بعد“ -وهو نفس عنوان كتابها-، حيث يُعاد تشكيل الأطراف الحضرية بوصفها جبهات محتملة، وتُدار الحياة اليومية ضمن أفق تهديد دائم. في هذا السياق، لا يكون خرق جدار الصوت حدثًا طارئًا، بل آلية دورية لإعادة تفعيل هذا الأفق، وضمان استمراريته.

الصوت هنا لا يعكس الحرب، بل يستدعيها إلى الحاضر. إنه يحوّل المستقبل من احتمال إلى حضور إدراكي، ويجعل المدينة تعيش في حالة من ”الاستباق الحسيّ“ للحرب، حيث لا يُختبر الخطر عند وقوعه، بل عند سماعه إن لم يقع. وهنا تتجاوز وظيفة الصوت التدمير، لتعيد تنظيم الزمن المديني حول الترقب، بحيث يصبح الانتظار نفسه نمطًا من أنماط العيش.

يقودنا ذلك إلى إعادة صياغة السؤال من كيف يؤثر الصوت على المدينة؟ إلى كيف يعيد الصوت تشكيل العلاقة بين الزمن، الجسد، والمعنى داخلها؟

فالصدمة الصوتية لا تعطل الحركة فقط، بل تعطل أيضًا إنتاج المعنى. ففي لحظة خرق جدار الصوت، تتوقف اللغة حتى وإن كانت اللغة أصواتًا، وهذا ما يفسر صياح جماهير المشيعين بعد مرور الطائرات الإسرائيلية فوق التشييع، ويصبح الإدراك عاجزًا عن تسمية ما يحدث لحظة وقوعه الخاطفة. هذه اللحظة من ”اللا-معنى“ ليست عرضية، بل جزء من عمل السلطة نفسها. فالصوت لا يكتفي بإخافة الجسد، بل يعطل قدرته على الفهم، ويخرس لغته من مستواها الفيزيائي إلى مستواها الرمزي التداولي.

وهنا تحديدًا يظهر الفرق الحاسم مع غزّة. ففي غزّة، يسمح التكرار بتراكم معرفة سمعية، حيث تتحول الأذن إلى أداة تحليل. أما في بيروت، فإن الفيض الصوتي يعمل على تعطيل هذا التراكم، عبر إنتاج حدث فياض/اقتحامي لا رتابة له، فلا يمنح الأذن زمنًا كافيًا للتحليل. وإذا كانت غزة تنتج ذكاءً سمعيًا مقاومًا، فإن بيروت تنتج ما يمكن تسميته بــ ”تعليق مؤقت للمعرفة السمعية“، هذا لا يعني غياب المقاومة، بل يشير إلى أن السلطة تعمل هنا على مستوى أعمق: مستوى شروط إمكان المعرفة نفسها. في هذا السياق، يصبح الاشتباك مع أدبيات (soundscape) أكثر حدّة. فالمقاربات القائمة على الـ (soundwalk) تفترض أن المجال السمعي قابل للتتبع والتسجيل والتحليل عبر مسار إدراكي تدريجي. غير أن بيروت تكشف عن حدود هذا النموذج وتمتحنه. فالاستماع هنا لا يحدث عبر المشي، بل عبر انقطاعه. فالجسد لا يتجول ليستمع، بل يُوقف ويُعاد توجيهه قسرًا، ضمن علاقة عمودية مع سلطة قادمة من السماء. هذا يعيد صياغة العلاقة بين الاستماع والتسكّع عند دو سارتو. فإذا كان المشي عنده فعل مقاومة للمنظور العلوي، فإن بيروت تكشف أن السلطة قادرة على تعطيل هذا الفعل نفسه. فالصدمة الصوتية لا تُنتج معرفة بديلة فحسب، بل قد تمنع إنتاجها مؤقتًا، عبر إعادة ضبط الزمن الذي يسمح بها.

بهذا المعنى، تمثل بيروت لحظة مفصلية في هذا المداخلة والمبنى التحليلي، حيث يتحول الصوت من أداة يمكن قراءتها (كما في غزّة) إلى أداة تعيد تشكيل شروط القراءة نفسها. فهو لا يعمل على مستوى الفضاء فحسب، بل على مستوى الإدراك الزمني والجسدي، بحيث يغدو الجسد ذاته موقعًا للصراع، في فيزيولوجيته المباشرة. من هنا، لا يمكن اختزال خرق جدار الصوت في كونه أداة للإرهاب النفسي، بل ينبغي فهمه بوصفه تقنية سيادية لإعادة تنظيم الإدراك، واحتلال الجسد، وتعليق الزمن المدني داخل أفق الحرب القادمة. فالمدينة التي تعيش في ظل ”حرب لم تأتِ بعد“ لا تحتاج إلى تدمير دائم كي تبقى خاضعة؛ يكفي أن يُعاد تذكيرها، عبر الصوت، بأن هذا التدمير ممكن في أي لحظة. هكذا، يغدو الصوت ليس مجرد أثر للحرب، بل إحدى أكثر آلياتها تجريدًا واستدامة.

رابعًا: جدّة وإخراس البحر

إذا كانت غزّة تكشف عن فائض الصوت بوصفه أداة للمراقبة والسيطرة، وبيروت عن الصدمة الصوتية بوصفها اقتحامًا للزمن والجسد، فإن جدّة تكشف عن نمط مغاير من السلطة السمعية، حيث يتجسّد الصمت بوصفه تمثّلها وبنيتها. هنا، لا يُفرض العنف عبر الصوت، بل عبر إزالته. ولا يُعاد تنظيم المجال السمعي من خلال هيمنة ضجيج معيّن، كما درجت عليه دراسات الصوت، بل عبر تفكيك الشروط التي كانت تُنتج الصوت أصلًا. الصمت، في هذا السياق، لا يظهر كحالة طبيعية أو نتيجة عرضية للتحول العمراني، بل كأثر مباشر لعملية إعادة تنظيم مديني يمكن قراءتها بوصفها محوًا سمعيًا ممنهجًا.

تشكّل عمليات الإزالة الواسعة التي شهدتها جدّة منذ عام 2021 لحظةً كاشفة لهذا التحوّل. فهذه العمليات، التي طالت عشرات الأحياء وأدّت إلى تهجير آلاف السكّان، لا يمكن اختزالها في خطاب ”التطوير“ أو ”التحديث“؛ إذ لا تقتصر آثارها على إعادة تشكيل الفضاء المادي، بل تمتدّ إلى إعادة صياغة البنية الإدراكية للمدينة والتجربة الجسدية فيها. فالأحياء التي أُزيلت لم تكن مجرّد تجمّعات عمرانية، بل فضاءات كثيفة بالعلاقات الاجتماعية، تُدرَك سمعيًا بقدر ما تُدرَك بصريًا: في نداءات الباعة، وتداخل اللغات، وإيقاع الحياة اليومية الذي لا يخضع لتنظيم مركزي، بل يستمدّ —على تماسّ مع البحر— انفتاحه على الآخر وتعدّده، في أفقٍ يمكن قراءته ضمن منطقٍ خلدوني.

مع اختفاء هذه الأحياء، لا يختفي المكان فحسب، بل يختفي صوته بوصفه تعبيرًا عن تلك العلاقات. فما يُمحى هنا ليس الضجيج، بل التعدّدية السمعية التي كانت تُشكّل المدينة. لذلك، لا يظهر الصمت في جدّة بوصفه سكونًا، بل كأثرٍ مباشر لعملية إزاحة اجتماعية ومكانية أعادت تحديد من يحقّ له أن يُسمع، وأين، وبأيّ شروط. وفي هذا السياق، يغدو التاريخ الموسيقي المفقود للمنطقة الغربية شاهدًا دالًا على هذا التحوّل. غير أنّ هذا الصمت لا يتجلّى بوصفه فراغًا مطلقًا، بل يُستبدل بنمطٍ آخر من الصوت، يمكن وصفه بأنه صوت مُدار ومُفلتر، يظهر في الفضاءات الجديدة التي تُنتجها مشاريع إعادة التطوير، كالواجهات البحرية، والمجمّعات التجارية، والمشاريع العقارية الكبرى. في هذه الفضاءات، يُعاد إدخال الصوت، لكن بوصفه عنصرًا من عناصر ”التجربة“، لا أثرًا من آثار الحياة الاجتماعية. إنّه صوت مُتحكَّم به، قابل للتكرار، منزوع التوتّر والآخرية. بهذا المعنى، لا ننتقل من الصوت إلى الصمت، بل من صوتٍ اجتماعي غير منتظم إلى صوتٍ مُصمَّم، قابلٍ للاستهلاك.

يمكن قراءة هذا التحول بوصفه شكلًا من أشكال ”التعقيم السمعي“؛ حيث لا يُقضى على الصوت، بل يُعاد تشكيله بحيث يفقد علاقته بالصراع، وبالتاريخ، وبالتعدد الاجتماعي. فالصمت هنا ليس غيابًا مطلقًا، بل إزالة للصوت غير القابل للضبط، واستبداله بصوت خاضع لمنطق السوق. غير أن جدّة لا تمثل هذا الشكل “الناعم” من المحو فحسب، بل تنتمي إلى طيف أوسع يتجلى بشكل أكثر عنفًا في أماكن أخرى، مثل العوامية في المنطقة الشرقية. ففي حي المسوّرة، لم يكن المحو تدريجيًا أو تخطيطيًا فقط، بل مباشرًا وقسريًا، حيث ترافق التدمير مع إخضاع أمني كامل للمجال. ما حدث هناك لا يمكن قراءته بوصفه تدميرًا عمرانيًا فحسب، بل بوصفه إبادة مدينية مصحوبة بإخراس سمعي طال أصوات التاريخ الاجتماعي للمنطقة. لم يُدمَّر الحي فقط، بل أُسكت بالكامل: اختفت الأصوات اليومية، وتحول المجال إلى فراغ مُراقَب، لم يعد الصوت فيه تعبيرًا عن الحياة، بل علامة على السيطرة.

يكشف هذا الانتقال من جدّة إلى العوامية أن الصمت ليس نتيجة واحدة، بل طيف من الممارسات: من المحو التدريجي إلى الإخراس القسري. وفي الحالتين، يبقى الهدف واحدًا: إعادة تنظيم المجال بحيث يصبح الصوت—بوصفه تعبيرًا عن وجود اجتماعي—غير ممكن.

ولا يقتصر هذا المنطق على الحاضر، بل يمتدّ إلى تاريخٍ أطول من إعادة تشكيل الفضاء الثقافي في السعودية، ولا سيّما في الحجاز. فعمليات إزالة المواقع التاريخية والدينية، وإعادة تنظيم المجال الثقافي، لم تكن مجرّد إعادة تشكيل بصرية، بل انطوت أيضًا على إعادة صياغة سمعية للذاكرة، التي خضعت بدورها لسياسات محوٍ وانتقاء. ذلك أنّ الصوت يرتبط بالمكان على نحوٍ بنيوي؛ ومع إزالة هذه الفضاءات لا يقتصر الأمر على محوها ماديًا، بل تنقطع السلاسل السمعية التي كانت تصل الحاضر بالماضي.

في هذا السياق، يغدو الصمت أداةً لإعادة كتابة التاريخ، لا لإعادة تشكيل الحاضر فحسب، وكأنّ الحاضر يولد سمعيًا من داخل هذه السلطة، في هذا الموضع من التاريخ—أي من قلب هذا الفراغ المُنظَّم. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف العنف الصوتي على نحوٍ جذري: فإذا كان في غزة يتجلّى كفائض، وفي بيروت كصدمة، فإنّه في جدّة يظهر بوصفه عنفًا عبر الغياب. غير أنّ هذا الغياب ليس محايدًا؛ إذ يعمل على مستوى الإدراك، حيث يفقد الساكن مرجعياته السمعية التاريخية المتوارثة، ويتفكّك الإحساس بالمكان واستمراريته السمعية المرتبطة بالبحر وباقتصاده الاجتماعي والسياسي وأصواته (كما في العوامية أيضًا). في هذه الحالة، يتحوّل الفضاء إلى سطحٍ قابلٍ للعبور، لكن يصعب ”الإقامة فيه إدراكيًا“. فالصمت هنا لا يهدّئ المدينة، بل يُفرغها من معناها، أقرب إلى الخرس منه إلى السكون.

يقود ذلك إلى إشكالية منهجية مركزية في هذه المقاربة: فإذا كان الاستماع في غزة يتيح التحليل، وفي بيروت يفرض الاختراق اللحظي، فإن جدّة تطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف يمكن الاستماع إلى ما لم يعد موجودًا؟ هنا يتحوّل الاستماع من ممارسة لالتقاط الصوت إلى ممارسة لتتبّع أثره. أي أن المنهج لا يقوم على ما يُسمع فحسب، بل على ما اختفى، وما أُسكت، وما لم يعد ممكنًا إنتاجه. وهكذا، يغدو الصمت نفسه مادةً تحليلية، لا بوصفه فراغًا، بل أثرًا سياسيًا قابلًا للقراءة. من هذا المنظور، تمثل جدّة لحظة انقلاب حاسمة في منطق هذا المقال؛ فهي تكشف أن السيادة السمعية لا تعمل فقط عبر فرض الصوت أو صدمته، بل أيضًا عبر القدرة على إزالته وإعادة ترميزه، وأن المدينة يمكن السيطرة عليها ليس فقط بما يُفرض فيها، بل بما لم يعد ممكنًا أن يُسمع فيها.

بالتالي، لا يكون الصمت في جدّة نهايةً للصوت، بل شكله الأكثر اكتمالًا بوصفه أداة للسلطة. فالمدينة التي يُعاد إنتاجها لتكون ”نظيفة“، و“منظمة“، و“قابلة للاستثمار والترفيه“، هي أيضًا مدينة أقل ضجيجًا، لكنها في الآن ذاته أقل حياة. فالصمت هنا ليس هدوءًا، بل إعادة ضبط قسرية للعلاقة بين الصوت والمكان والذاكرة.

خامسًا: القاهرة والبنية الطبقية والاجتماعية والسلطوية للصوت

تظل القاهرة واحدة من المدن القليلة في المنطقة التي ما زالت تحتفظ بكثافتها المدينية الفعلية؛ ولذلك، فإن ما شهدته غزّة وبيروت وجدّة وغيرها من المدن ينعكس ويكثف في الحالة المصرية (القاهرية). فالقاهرة تكشف عن أمر أكثر تعقيدًا: مدينة لا يُحسم فيها الصوت، بل يُعاد التفاوض عليه باستمرار. إنها مدينة لا تُسكت، بل تُعاد فيها توزيع الأصوات بشكل دائم، وهذا التوزيع ليس عشوائيًا، بل يخضع لصراع مستمر بين السلطة ومحاولاتها لإعادة تنظيم المجال السمعي، وبين أشكال من الإنتاج الصوتي الشعبي التي تعيد اختراق هذا التنظيم من الداخل.

ولا يمكن فهم هذا الصراع في سياقه المعاصر فحسب؛ بل يجب وضعه ضمن تاريخ طويل من العلاقة بين الصوت والسلطة في مصر. كما يوضّح ”زياد فهمي“ في كتابه (Street Sounds)، فإن فهم القاهرة بوصفها مدينة صوتية لا يبدأ مع الضجيج المعاصر، بل مع القرن التاسع عشر، حين أصبحت الأصوات —النداءات، الأغاني، الهتافات— وسائط مركزية لتداول الأخبار والمعرفة خارج سيطرة الدولة. في هذا السياق، لم يكن الصوت مجرد تعبير عن الحياة اليومية، بل وسيطًا إعلاميًا قائمًا بذاته، يعمل في الشارع ويتجاوز قنوات النشر الرسمية.

تكمُن أهمية هذا الإرث في كونه يكشف أن الصراع على الصوت في القاهرة بنيوي، لا طارئ. فالسلطة سعت دائمًا إلى تنظيم ما يُسمع واحتكار قنوات إنتاجه وتوزيعه، فيما ظل الصوت الشعبي —المتنقل، غير الرسمي، والمتحول— يفلت من هذا الاحتكار، ويعيد تشكيل المجال العام بطرق يصعب ضبطها.

هذا ما يعمقه لاحقًا ”آندرو سايمون“ في كتابه (Media of the Masses)، حيث يبين كيف شكّلت أشرطة الكاسيت في السبعينيات والثمانينيات ثورة في المجال الصوتي، عبر نقل الإنتاج والتوزيع من المؤسسات المركزية إلى الأفراد، وبالتالي شكلت مجالًا اجتماعًا قادرًا على ترسيم حدود الطبقة الوسطى ومساحات التداول للبنى الرمزية الغنائية المعبرة عنها. فلم يكن الكاسيت مجرد تقنية، بل إعادة توزيع للسلطة الإعلامية عبر الصوت، في مواجهة الإذاعة وأصوات السلطة الرسمية المفرطة الفحولة والذكورة والهيمنة. هذا التحول يسمح لنا بقراءة المهرجانات اليوم ليس كظاهرة جديدة، بل كامتداد لهذا التاريخ. فكما كسر الكاسيت احتكار الإذاعة، تكسر المهرجانات اليوم احتكار الإنتاج الموسيقي الرسمي بشقيه الطبقي والتقني. وكما كان الكاسيت وسيلة لتداول خطاب شعبي بديل، تصبح المهرجانات اليوم وسيلة لإعادة إدخال أصوات الطبقات المهمشة إلى المجال السمعي العام. بهذا المعنى، لا يُختزل صوت المهرجانات في كونه ”ضجيجًا“، بل هو وسيط إعلامي مضاد. إذ لا يعبّر عن الواقع الاجتماعي فحسب، بل يعيد إنتاجه، ويعيد توزيع من يحق له أن يُسمع. ومن هنا ينبع التوتر الذي يثيره؛ إذ لا يهدد الذوق بقدر ما يهدد النظام الذي يحدّد هذا الذوق.

غير أن هذا الصراع لا يحدث في فراغ. فالصوت، بوصفه ظاهرة مكانية، يتقاطع مع التحولات العمرانية التي تعيد تشكيل القاهرة. فالبنية التحتية الجديدة —من الهوس بالجسور والأنفاق والطرق المرتفعة إلى الطرق السريعة— لا تعيد تنظيم الحركة فحسب، بل تعيد إنتاج المدينة بوصفها طبقات صوتية مفصولة. هذه البنية تفرض ضجيجًا مستمرًا، وتعيد توزيع المجال السمعي بحيث لا ينتشر الصوت أفقيًا، بل يُقطَّع ويُعاد ترتيبه رأسيًا، بما يخدم بنية طبقية تتكثف في تحالفات السلطة السياسية والعسكرية والمالية ضمن أفق نيوليبرالي.

يتقاطع هذا التفكك السمعي مع منطق أوسع في تحويل القاهرة إلى فضاء عبور نحو العاصمة الإدارية الجديدة. في هذا السياق، لا يُعاد تنظيم الصوت لخدمة الحياة اليومية، بل لخدمة الحركة والتدفق باتجاه عاصمة السلطة. فالمدينة تصبح أكثر صخبًا، لكنها في الوقت نفسه أكثر فراغًا إدراكيًا، لأن الصوت لم يعد مرتبطًا بالعلاقات الاجتماعية، بل بالحركة المستمرة التي لا تستقر، وتتحدد قيمتها بالوصول إلى العاصمة الإدارية.

ومع ذلك، لا تختفي الأصوات الشعبية داخل هذا التنظيم، بل تعيد إنتاج نفسها في مساحات أخرى. فالمهرجانات، على سبيل المثال، لا تنتمي إلى هذه البنية، بل تخترقها. فهي لا تحتاج إلى فضاء رسمي، بل تنتشر عبر الهواتف، والسيارات، الفضاءات شبه العامة، وغيرها. بذلك، تعيد إنتاج ما وصفه فهمي وسيمون بطرق مختلفة (الصوت بوصفه وسيطًا متنقلًا، لا يمكن تثبيته أو احتكاره).

غير أن هذا المجال السمعي لا يُوزَّع بالتساوي، بل يتقاطع مع بنى جندرية واضحة. فالقاهرة، كما تكشف الممارسات اليومية، تمنح الذكور قدرة أكبر على احتلال المجال السمعي، بينما يُعاد تأطير الصوت النسائي أو تقليصه. هنا، لا يكون الصوت مجرد وسيلة تعبير، بل أداة للظهور أو الإقصاء: من يملك القدرة على إصدار الصوت في المجال العام، يملك القدرة على تثبيت حضوره فيه. ويُعاد إنتاج هذا التوزيع غير المتكافئ أيضًا عبر الوسائط البصرية، لا سيما السينما والدراما، حيث يُعاد تقديم الصوت الشعبي —صوت الأحياء، الشارع، العنف اليومي/”البلطجة“— ضمن إطار يخدم تصورات الطبقة الحاكمة. فبدلًا من تقديم هذا الصوت بوصفه تعبيرًا عن حياة اجتماعية، يُعاد ترميزه كعنف أو فوضى، مما يبّرر إقصاء هذه الفضاءات وإعادة تطويرها. بهذا، لا تكتفي هذه الوسائط بتمثيل الصوت، بل تعيد تعريفه سياسيًا وطبقيًا وجندريًا.

هذا يتقاطع مع ما أشار إليه ”تيموثي ميتشل“ حول كيفية إعادة إنتاج الواقع ضمن أنظمة إدراكية تخدم السلطة، حيث لا يُعاد تنظيم ما يُرى فقط، بل ما يُسمع أيضًا. من هنا، يصبح من الصعب التعامل مع القاهرة عبر مفهوم (soundscape) كما طُرح في الأدبيات الغربية، لأن هذا المفهوم يفترض إمكانية تثبيت ”المشهد الصوتي“ وتحليله، بينما تكشف القاهرة أن الصوت ليس مشهدًا ثابتًا، بل صراع مستمر على من يملك الحق في أن يُسمع. في هذا الإطار، لا تُفهم القاهرة بوصفها مدينة ضجيج فحسب، بل مدينة تتصارع فيها الوسائط، وتتداخل فيها الطبقات، ويُعاد فيها تشكيل المجال السمعي باستمرار. وإذا كانت غزّة تكشف عن سيطرة الصوت، وبيروت عن عنفه، وجدّة عن غيابه، فإن القاهرة تكشف عن لا-استقراره بوصفه شرطًا من شروط المدينة نفسها. إنها المدينة التي لا تستطيع السلطة إسكاتها بالكامل، لكنها قادرة على إعادة توزيع أصواتها. ومع ذلك، يبقى دائمًا صوت فائض، صوت يخرج عن السيطرة، ويعيد فتح أفق آخر للمدينة، ولو على نحو مؤقت.

بهذا المعنى، لا يُعد الصوت في القاهرة مجرد خلفية للحياة المدينية، بل أحد ميادينها الأساسية، حيث يتواجه التخطيط مع العشوائية، والسلطة مع المجتمع، والتنظيم مع الانفلات، في صراع لا يُحسم أبدًا، بل يُعاد إنتاجه باستمرار. تتحوّل أطراف هذا الصراع إلى جماعات وظيفية تعمل على إعادة إنتاج علاقات القوى بما يخدم مصالح النخب المسيطرة، وتضمن ترسيخ مواقعها ضمن شبكة مترابطة من النفوذ السياسي والاقتصادي.

ختامًا: نحو بيان عن الصوت بما هو امكان مناهض للرأسمالية والاستعمار والحرب، نحو استعادة حقّنا في المدينة العربية

المدينة العربية ليست كيانًا صامتًا، ولم تكن يومًا كذلك. لكنها تُجبَر على أن تُسمَع بطريقة بعينها، وأن تُصنَّف، وأن تُعاد كتابتها ضمن أنظمة إدراكية لا تنتمي إليها. ما تحاول هذه المداخلة كشفه —على قصورها— ليس أن الصوت عنصر من عناصر المدينة فحسب، بل أن المدينة نفسها تُنتج وتُدار وتُخضع وتُعاش عبر الصوت، بقدر ما تُبنى وتُهدَّم عبر الحجر والإسفلت، والمخططات والبنى التحتية.

في غزّة، ظهر الصوت بوصفه سيادة رأسية تُمارَس عبر طنين مستمر، ومراقبة لا تنقطع، وسماء تتحوّل إلى جهاز سمعي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة في زمن الإبادة المستمرة. في بيروت، تكثّف الصوت بوصفه صدمة مفارقة وفياضة: حدث يمزّق الزمن، ويحتل الجسد، ويحوّل الإدراك إلى ساحة مواجهة. في جدّة، انكشف الوجه الأكثر خفاءً للسلطة: الصمت—لا كغياب، بل كنتيجة مباشرة لعمليات محو وإخراس، تُزال فيها الأصوات بإزالة منتجيها، وتُستبدل بتجارب سمعية مُدارة، مُفلترة، وقابلة للاستهلاك. وفي القاهرة، لم يُحسم الصراع، بل انفتح: تتصارع الأصوات، ويُعاد تشكيل المجال السمعي باستمرار بين تنظيم فوقي وانفلات شعبي لا يمكن احتواؤه بالكامل.

هذه الحالات لا تقف منفصلة، بل تتكامل ضمن بنية واحدة متعددة الأوجه: نظام سمعي عالمي تُعاد من خلاله إنتاج السلطة في المدينة العربية. هذا النظام لا يعمل عبر الحرب المباشرة فحسب، بل أيضًا عبر ما يمكن تسميته بـ ”الرأسمالية السمعية“، حيث يُعاد تشكيل وتنظيم الصوت ليغدو قابلًا للتسويق، منزوع التوتر، ومفصولًا عن تاريخه الاجتماعي، بما مصالح النخب المسيطرة وآلياتها الاقتصادية والعسكرية -(ليرضي الرجل الذكر الفحل الأبيض وآلته الرأسمالية الحربية)-. وفي الوقت نفسه، يعمل عبر عسكرة الإدراك، حيث يُستخدم الصوت لإنتاج الخوف، وإعادة تشكيل الزمن، وتحويل الجسد إلى موقع دائم للتهديد. وبين هذين القطبين —الرأسمالية والعسكرة— تُعاد صياغة المدينة بوصفها فضاءً يُسمَع فيه ما يجب أن يُسمَع، ويُمحى منه ما يجب أن يُمحى. غير أن ما تكشفه هذه المداخلة هو أن الصوت لا يُختزل في كونه أداة للسلطة؛ فهو في الوقت ذاته وسيط للمقاومة. ليس لأنه ”يعارض“ السلطة مباشرة، بل لأنه يظل قادرًا على الإفلات، وإعادة الانتشار، وإنتاج معانٍ لا يمكن تثبيتها بالكامل في اللحظة المادية للسلطة ومبانيها وهياكلها الذكورية.

ويظهر ذلك في الذكاء السمعي لسكان غزّة، حيث يتمكّن السكان من تحويل الطنين إلى معرفة مجالية وتجميعية؛ وفي بيروت، في الأثر الممتد للصدمة، كما جسّده بوضوح الراحل الحاضر ”زياد الرحباني“، الذي يتحوّل إلى ذاكرة جماعية تقاوم المحو؛ وفي جدّة، في الصمت ذاته بوصفه أثرًا قابلاً للتتبع والفضح؛ وفي القاهرة، في كل صوت فائض يخرج عن السيطرة ويرفض أن يُنظَّف أو يُعقَّم أو يُؤطَّر ضمن بنى طبقية وسياسية ونيوليبرالية.

وعليه، فإن هذه المداخلة لا تدعو إلى ”دراسة الصوت“ فحسب، بل إلى إعادة تعريف المعرفة نفسها من خلال السمع. فالإشكال لا يكمن في غياب الصوت عن الدراسات الحضرية، بل في خضوع هذه الدراسات لنظام إبستيمي بصري يفترض أن المعرفة تُنتج عبر الرؤية من خلال الخرائط، والتخطيط، والسيطرة على ما يمكن تمثيله. هذا النظام —المرتبط تاريخيًا بالحداثة الغربية وتحوّلاتها الرأسمالية والاستعمارية— لم يكن محايدًا، بل شكّل جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تنظيم العالم، حيث يُرى الفضاء من الأعلى ويُعاد ترتيبه وفق منطق السيطرة، سواء كان هذا المنطق استعماريًا، عسكريًا، أو رأسماليًا.

في هذا السياق، لا يقتصر الاشتغال على الصوت والاشتباك معه على كونه ”إضافة“ منهجية لتاريخ المؤسسات البحثية المتحيّز والرأسمالي، بل هو تفكيك لهذا النظام من داخله. فالاستماع، كما تقترح هذه المداخلة وتُعيد تعريفه، ليس فعلًا حسّيًا فحسب، بل فعلًا سياسيًا ومعرفيًا. إنّه إنصات لما لا يُرى، ولما يُخفى، ولما يُمحى. إنه رفض للمعرفة المفروضة من الأعلى، واستعادة للمعرفة التي تُنتج من داخل التجربة، من داخل الجسد المديني العربي الملون، ومن داخل المدينة نفسها.

لكن هذا الاستماع ليس بريئًا، ولا ينبغي له أن يكون؛ فهو، في حد ذاته، فعل مقاومة، لأنه يتطلّب الانحياز إلى ما تحاول السلطة إسكاته، أو تنظيمه، أو إعادة ترميزه. أن نستمع إلى الطنين في غزّة ليس أن نسمعه فقط، بل أن نقرأه. أن نستمع إلى الصمت في جدّة ليس أن نلاحظه فقط، بل أن نفضحه. أن نستمع إلى ضجيج القاهرة ليس أن نتحمله، بل أن نفهمه بوصفه ساحة صراع.

بهذا المعنى، فإنّ ما تقترحه هذه المداخلة هو عصيان إبستيمي سمعي. عصيان يرفض اختزال المدينة فيما يُرى أو يُخطَّط لها، وما تقصيه اللغة الرسمية وأصواتها عنها. إنه عصيان يعيد الاعتبار للصوت بوصفه أثرًا وبنية وأداة، وفي الوقت ذاته بوصفه موقعًا تُنتج فيه المعرفة خارج أنظمة السيطرة. هذا العصيان لا ينفصل عن رفض أوسع وأعمق؛ رفض للرأسمالية التي تُحوّل الصوت إلى سلعة، وللحرب التي تُحوّله إلى سلاح، ولحداثة اختزلت المعرفة في الرؤية والسيطرة والتمثيل. في مواجهة هذه الأنظمة، لا يدّعي هذا النص تقديم بديل جاهز، بل يدعو إلى اشتباك نقدي في فعل المقاومة بما هو ”جدوى مستمرة“، لإبقاء إمكان المغايرة مفتوحًا. إمكان أن نعيد التفكير في المدينة من خلال ما يُسمع، لا فقط ما يُرى؛ أن نعيد بناء المعرفة من خلال التجربة، لا التمثيل؛ وأن نستعيد المدينة بوصفها فضاءً حيًا لا يُختزل في مخطط أو صورة أو خطاب.

المسمع، في هذا الإطار، ليس مجرد موضوع للدراسة، بل موقع للصراع وإمكان للتحرّر. ومن هنا، لا ينتهي هذا البيان بدعوة إلى ”مسمع“ بعينه، بل إلى كل مسمع يقاوم؛ في هذه اللحظة، يناهض الحرب والرأسمالية، والحداثة الغربية، والذكر الألفا، والرجل الأبيض، وكل أنظمة السيطرة. إنها دعوة لاستعادة السمع بوصفه فعلًا سياسيًا، لأن من يملك الصوت لا يملك ما يُسمع فحسب، بل ما يُعرف، وما يُتذكّر، وما يمكن أن يكون.

وفي المدينة العربية، حيث تتقاطع الحرب مع الرأسمالية، والتخطيط مع المحو، يبقى الصوت —بكل أشكاله، حتى في صمته— أحد الحقول التي لم تُغلق بالكامل بعد، ولا تزال قادرة على إنتاج معرفة تُقاوم، حتى وهي مُحاصَرة.

قائمة المراجع

البيّاري، عبد الله. “أصوات القاهرة كساحة صراع“. خطـ٣٠، 25 يناير 2022. https://khatt30.com/أصوات-القاهرة/

—. ”التسارع وإبادة العمران والحرب على الزمن في غزة“. خطـ٣٠، 19 يناير 2026. https://khatt30.com/فيريليو-في-غزة/

—. ”الصمت وفائض الكتابة في المدينة“. عرب 48، 8 مارس 2022. https://www.arab48.com/فسحة/ورق/فكر/2022/03/08/الصمت-وفائض-الكتابة-في-المدينة

—. ”تأملات في الصوت الأول“. جدلية (Jadaliyya)، 8 ديسمبر 2014. https://www.jadaliyya.com/Details/31553

—. ”عن أصوات المدينة: مقاربات متداخلة تتوخى الصمت“. جدلية (Jadaliyya)، 11 مارس 2023. https://www.jadaliyya.com/Details/44875

Abu Lughod, Janet L. Cairo: 1001 Years of the City Victorious. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1971.

Al Rasheed, Madawi. A History of Saudi Arabia. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.

Aridi, Farah. “Ta(l)king Back (to) the City—Fragments of Beirut and/in Me”. Body & Society 28, no. 4 (2022): 735–745. https://doi.org/10.1080/14484528.2022.2114123

Aziz, El moutasam, and Laila Manasfi. “The Acoustics of Politics and its Influence on Urban Soundscapes”. Electronic Workshops in Computing (eWiC), Politics of the Machine Beirut 2019. June 2019. https://doi.org/10.14236/ewic/POM19.17

Bayyari, Abdalla. “The Cartography of Erasure: Archiving Sound and Mobility in Genocide”. Archive Stories. Accessed March 20, 2026. https://archive‑stories.com/The‑Cartography‑of‑Erasure.

Bsheer, Rosie. Archive Wars: The Politics of History in Saudi Arabia. Stanford, CA: Stanford University Press, 2020.

DeLanda, Manuel. A New Philosophy of Society: Assemblage Theory and Social Complexity. London: Continuum, 2006.

De Certeau, Michel. The Practice of Everyday Life. Translated by Steven Rendall. Berkeley: University of California Press, 1984

Fahmy, Ziad. Street Sounds: Listening to Everyday Life in Modern Egypt. Stanford, CA: Stanford University Press, 2020.

Feld, Steven. Sound and Sentiment: Birds, Weeping, Poetics, and Song in Kaluli Expression. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1982.

Goodman, Steve. Sonic Warfare: Sound, Affect, and the Ecology of Fear. Cambridge, MA: The MIT Press, 2010.

Graham, Stephen. Cities Under Siege: The New Military Urbanism. London: Verso, 2010.

“Historicizing Hope/lessness in Revolutionary Times.” Jadaliyya, October 4, 2021. https://www.jadaliyya.com/Details/43267/Historicizing-Hopelessness-in-Revolutionary-Times

“How Saudi Arabia Obliterated Its Rich Cultural History.” Saudi Leaks, October 23, 2020. https://saudileaks.org/en/how-saudi-arabia-obliterated-its-rich-cultural-history 2/

Khorshid, Reem. “Experiencing the Sounds and Silences of Cairo”. PLATFORM, October 26, 2023. https://www.platformspace.net/home/experiencing-the-sounds-and-silences-of-cairo

LaBelle, Brandon. Acoustic Territories: Sound Culture and Everyday Life. New York: Continuum, 2010.

Mbembe, Achille. “Necropolitics”. Public Culture 15, no. 1 (2003): 11–40.

Mitchell, Timothy. Colonising Egypt. Cambridge: Cambridge University Press, 1988.

Moawad, Heba. “Andrew Simon: Egyptians Created Their Popular Culture on Cassette Tapes… and the Attack on Popular Songs Began with Adawiya”. BabMasr, June 24, 2025. https://babmsr.com/en/2025/06/24/andrew-simon-opened-a-different-door-to-understanding-popular-culture/

Refaat, Ahmed Mohamed. “The Role of Spatial Structure Resilience in the Demolition Decisions of Jeddah Districts”. Journal of Umm Al Qura University for Engineering and Architecture 16 (2025): 531–545 https://doi.org/10.1007/s43995-025-00125-0

Refat, Ismail Mostafa. “Sound Preferences of the Dense Urban Environment: Soundscape of Cairo”. Frontiers of Architectural Research 3, no. 1 (2014): 55–68. https://doi.org/10.1016/j.foar.2013.10.002

Ricca, Simone. “Urban Heritage in the Arabian Peninsula, the Experiences of Jeddah and Dubai”. Built Heritage 2, no. 3 (2018): 108–122. https://doi.org/10.1186/BF03545713

Safa, Mhamad. “Reverberations and Post War Trauma: The Sustained Aftermath of Aerial Strikes on Lebanon in 2006”. Sound Studies 8, no. 1 (2022): 73–99. https://doi.org/10.1080/20551940.2021.2021367

Simon, Andrew. Media of the Masses: Cassette Culture in Modern Egypt. Stanford, CA: Stanford University Press, 2022.

Tanis, Fatma. “Demolition of Jeddah Neighborhoods Sparks Rare Widespread Criticism in Saudi Arabia”. NPR, August 3, 2022.

Valentino, Andrea. “The Struggle for Saudi Arabia’s Buried Past”. Engelsberg Ideas, August 15, 2024. https://engelsbergideas.com/essays/the-struggle for saudi arabias buried past/

“The Violent Remaking of Jeddah.” Zentrum Moderner Orient (ZMO). Accessed March 21, 2026. https://www.zmo.de/en/publications/violent-remaking-of-jeddah

Volcler, Juliette. Extremely Loud: Sound as a Weapon. New York: The New Press, 2013.

Virilio, Paul. War and Cinema: The Logistics of Perception. London: Verso, 1989.

Virilio, Paul. The Vision Machine. Bloomington: Indiana University Press, 1994.

Weizman, Eyal. Forensic Architecture: Violence at the Threshold of Detectability. New York: Zone Books, 2017.